شَاعريّة رمضان
لا يأتي رمضان كأَيّ شهرٍ بَل كحَالة يَتبَدّل فيها الإحسَاس ويهدأ صخَب الأيام ، و تلينُ القلوب دون أن نطلب مِنها ذلك ، تصبح التفاصيل الصغيرة أحداثًا كبيرة ، و تتحوّل العادة إلى مَعنى نشعر بِه ونستشعِر وجوده ، واللحظة العابرة " العادية " إلى ذكرى مُقيمة في أذهانِنا
تتغيّر ملامح الشوارع والبيوت أينما كنت , الأضواء الملوّنة تتدلّى على الأرصفة وزينة رمضان تزيّن المداخل والنوافذ فوانيس ، أهِلّة ، وعبارات ترحيب تبعث البهجة في النفس قبل أن تُرى بالعين , البيوت تشارك بدورها مِن نوافذ مضيئة ، وشرفات تتزيّن ، وكأن الجميع اتفق على الإحتفال بالشهر بطريقة صامتة وجميلة ، هذا التزيّن البسيط لا يضيف جمالًا للمكان فقط بل يخلق إحساسًا جماعيًا بالفرح ويعلن على قدوم هذا الشّهر
قبل المغرب للمنازلُ نبضٌ خاص المطابخ تشتعل بالحركة لا استعجال فيها بل لِشغف ، روائح الشوربة والسمبوسة تمتزج بنداءات الأمهات وضحكات الأطفال و جميع من بالبيت كلّه يستعد لاستقبال الأذان ، صوت علي الطنطاوي على التِلفاز يُلقي لنا برنامج " على مائدة الإفطار " وهذا مِن أكثر اللحظات شاعرية ، دقائق الانتظار تطول ، والعيون تتعلق بالساعة ، والقلوب تسبق الأذان بدعاءٍ خافت
وحين يُرفع الأذان يحدث الصمت الأَجْمَل تمتد الأيّدِي للتمر ويَتلوه ماءٌ يطفئ العطش ، و مائدة الإفطار في رمضان ليست مكانًا للأكل فَحسب بل مساحة للطمأنينة نأكل ببطء نتبادل النظرات ونشعر أن الاجتماع بحد ذاته عِبادة ، لمة الأهل في هذا الشهر لا تشبه أي اجتماع آخر فيها دفء لا يُفسَّر وطمأنينة لا تُدرَّس وكأن رمضان يعيد ترتيب العلاقات
بعد الإفطار يتغيّر شكلُ اللّيل تَكون الشوارع أكثر حياة والنوافذ أكثر نورًا التلفاز يفتح أبوابه على إعلانات زين التي تعبر بنا من قصة إلى أخرى تلمس شيئًا داخليًا يصعب تسميته ، و المسلسلات الرمضانية تصبح حديث المجالس لا لقيمتها الفنية فقط بل لأنها جزءٌ من طقسٍ جماعي ننتظره كل عام نختلف حوله ونتَفق
ثم تأتي التراويح النقطة التي يستقيم عندها القلب في طريقنا إلى المسجد نلتقي الجيران نبتسم دون تكلّف نتبادل السلام وكأننا نلتقي لأول مرة رغم أننا نعيش متجاورين طوال العام ، و في صفوف الصلاة تَتجمّعُ القلوب كما تتجمّعُ الأجساد والأصوات المتجاورة في الدعاء تصنع إحساسًا نادرًا بالإنتماءِ والحُب
و ما بَعد التراويح تبدأ حياة أخرى ، في الساحات والأحياء ، تُنصب شبكة كرة الطائرة وتتعَالى الضَحِكات مع كل نقطة لِصالحك او لِصالح خصمك ، اللعبة ليست منافسة بقدر ما هي فرح جماعي مساحة يفرغ فيها الشباب طاقتهم ، والأطفال يُحدّقون النظر إليهم ، نُدرك ان هُناك توازن في رمضان بين العِبادة والبهجة
وفي داخل المنزل مَع سَماع بعض الضحكات مِن الخارج ، تمتد سهرات الأُمهات و الفتيات و تطول الأحاديث ، قهوة تُصبّ بهدوء ، مجموعة تلعب بِما هو متواجد “ اونو ، جكارو “ وذكريات تُستعاد ، و دعاء يخرج بعفوية في منتصف الحديث
ومع اقتراب السحور يُصبحُ اللّيل أكثر حنانًا اصواتُ الملاعق أخفّ والكلام أقل و النوم بدأ يطغى على أهالي المنزل ، لكن الشعور بالسكينة في ذروته ، نأكل استعدادًا ليوم جديد من الصيام ونشعر أننا نختزن هذه اللحظات في القلب قبل أن يطلع الفجر.
رمضان لا يغيّر جداولنا فقط بل يغيّرنا نحن و يُغيّر قلوبنا ، يُقربنا من الله أكثر فأكثر ، بالعِبادات المُتنوّعة في هذا الشهر مِن قراءة قران ، صيام ، صلاة ، صلةُ رَحم ، والكثير غيرها ، فـ اللهم بلّغنا رمضان ونحنُ بِخير وعافية ، لا فاقدين ولا مفقودين


مقالة عبارة عن مسلسل من الصور في الذاكرة عن رمضان
فنّانة يا رَزان برسمك التفاصيل... فنّانة بسردك الطقوس.. فنّانة بانقائك الصور..